يستعرض الكاتب جوناثان ليو مشهدًا يوميًا يبدو عاديًا في ظاهره لكنه يعكس صدى حرب بعيدة. تبدأ المائدة بالحمص المزين بحبات الحمص وقطرات زيت الزيتون، يلتقطه الزبائن بقطع خبز البيتا وبأصابع متعجلة، ثم يصل التبولة، تليها أقراص الفلافل المنزلية، ثم حساء العدس.
تمتلئ الأطباق سريعًا وتتكدس على الطاولة قبل أن تصل الأطباق الرئيسية. يحضر طبق المقلوبة التقليدي لعشاق اللحم، وهو أرز ودجاج فلسطيني يقلب رأسًا على عقب ويزين بزهيرات القرنبيط المحمرة واللوز الرقيق، بينما تقدم الكوسا والباذنجان المحشيان للنباتيين. تنتهي السهرة بالحلويات: بقلاوة وشوكولاتة منزلية الصنع. يغادر الضيوف المكان مثقلين بالطعام، واعدين أنفسهم بألا يكرروا هذه المبالغة مرة أخرى.
وينقل تقرير نشرته الجارديان أن هذا العشاء ليس مجرد وليمة عادية، بل جزء من نشاط تضامني بدأ قبل ستة أشهر في مقهى صغير بشمال لندن يديره فلسطينيان، فاطن ومحمود. يبيع المقهى تذاكر عشاء أسبوعي يجذب الزبائن قبل أسابيع من موعده، وتذهب عائداته إلى دعم الجائعين والمشردين في غزة. بدأ المشروع في الأصل كحملة تبرعات لمرة واحدة، لكنه تحول تدريجيًا إلى حدث اجتماعي وثقافي يجمع الناس حول الطعام والهوية، ويمنح الجالية الفلسطينية مساحة للقاء والتعبير في زمن مضطرب.
الطعام بوصفه ذاكرة وهوية
انتقلت فاطن إلى لندن عام 2014 بعد أن عاشت عائلتها في مدينة بيت حانون شمال غزة، حيث يعيش أفراد أسرتها اليوم في ظروف صعبة داخل أحد مخيمات النزوح المؤقتة. تقف فاطن خلف موقدها في المقهى وتعد الوصفات التي تعلمتها من والدتها، فتشعر بقربٍ مؤقت من الأرض التي غادرتها. تستعيد عبر الطهي صور الموائد العائلية الكبيرة المليئة بالروائح والأحاديث المتقاطعة.
تقول إن الطعام يمنحها وسيلة بسيطة لعرض الثقافة الفلسطينية للآخرين، ويمنحها في الوقت نفسه رابطًا مع وطن يواجه محاولات طمس هويته تحت القصف والعنف. هكذا يصبح طبق الفلافل أو حساء العدس أكثر من مجرد وجبة؛ يتحول إلى علامة ثقافية تحافظ على الذاكرة الجماعية وتمنح أصحابها شعورًا بالانتماء.
يقع مقهى «كافيه مترو» في حي آرتشواي بشمال لندن، وقد افتتح في ثمانينيات القرن الماضي. يرفع المقهى رموز التراث الفلسطيني بوضوح ويجذب منذ سنوات زبائن أوفياء رغم حجمه الصغير. لكن المشهد حوله تغيّر تدريجيًا مع توسع سلاسل المقاهي العالمية والمتاجر الكبرى في المنطقة.
صراع اقتصادي يكتسب طابعًا سياسيًا
افتتحت شركات كبرى فروعًا جديدة قرب المقهى خلال العقد الأخير. وصلت سلسلة «كوستا كوفي» أولًا، ثم تبعتها «ستاربكس» ومتاجر «غريغز». وفي الأسابيع الأخيرة افتتحت سلسلة المخابز الفاخرة «غيلز» فرعًا جديدًا على بعد أمتار قليلة من المقهى الفلسطيني.
تعرف «غيلز» بمنتجاتها المخبوزة الفاخرة وبانتشارها السريع في بريطانيا، إذ تملك نحو مئتي متجر. يرى بعض السكان والنشطاء أن توسعها يسرّع عملية «تحسين الأحياء» التي تدفع المتاجر الصغيرة إلى الهامش. ويشير منتقدون أيضًا إلى أن الشركة الأم، «باين كابيتال»، تستثمر في شركات تكنولوجيا عسكرية، بينها شركات أمنية إسرائيلية.
تنفي «جيلز» أي ارتباط سياسي مباشر وتعرّف نفسها بوصفها شركة بريطانية لا ترتبط بأي حكومة خارج المملكة المتحدة. مع ذلك، يشعر كثيرون بأن افتتاح الفرع الجديد على بعد عشرين مترًا من مقهى فلسطيني يحمل دلالة رمزية في ظل الحرب الدائرة في غزة.
تصاعد التوتر قبل افتتاح المتجر بيوم واحد حين غطى مجهولون واجهته بالطلاء الأحمر، ثم كُسرت نوافذه بعد أيام قليلة. ظهرت على الجدران شعارات مثل «ارفضوا الصهيونية المؤسسية» و«اللعنة على باين كابيتال». لم تعلن الشرطة عن اعتقالات حتى الآن، بينما وصف ممثل مجلس نواب اليهود البريطانيين الحادثة بأنها جزء من اتجاه أوسع لمحاولة إقصاء اليهود من المجال العام.
ينفي محمود، وهو رجل هادئ في الستينيات من عمره، أي علاقة له أو لمقهاه بتلك الحوادث. يوضح أن المنافسة مع المتاجر الأخرى تجري بوسائل تجارية بسيطة: «نبيع الكابتشينو بسعر 2.95 جنيه، بينما يبيعونه بـ4.50 جنيه».
صدى الحرب في الشارع البريطاني
وجد مقهى «كافيه مترو» نفسه بدوره هدفًا لحملات مضادة خلال السنوات الأخيرة. يضع ناشطون مؤيدون لإسرائيل ملصقات على نوافذه تحمل شعارات مثل «أوقفوا قتل الناس». كما دخل موظفون من مجلس بلدية إزلنغتون إلى المقهى وطلبوا إزالة الأعلام الفلسطينية، لكن المقهى رفض ذلك.
تعكس هذه الوقائع كيف انتقلت أصداء الحرب في غزة إلى شوارع لندن. يقف مقهيان صغيران يمثلان عالمين مختلفين في مواجهة غير مباشرة، حيث تختلط السياسة بالاقتصاد والهوية في حي واحد.
يرى الكاتب أن مثل هذه الأفعال الرمزية — من كسر نافذة إلى وضع ملصق — لا تغيّر ميزان القوى في الأراضي المحتلة. لكن عصرًا يشعر فيه كثيرون بالعجز السياسي يدفع بعض الناس إلى التعبير عن غضبهم عبر رموز صغيرة بدل التأثير المباشر في السياسات الدولية.
هكذا يتحول الطعام نفسه إلى جزء من سردية الحرب: وسيلة للحياة لدى بعضهم، وأداة للهوية لدى آخرين. في هذا السياق يواصل فاطن ومحمود تنظيم عشاءاتهما الأسبوعية، يطعمان سكان شمال لندن ويؤكدان وجودهما الثقافي رغم التوترات المحيطة.
قد تبدو الفلافل وحساء العدس والمقلوبة أدوات بسيطة للمقاومة، لكنها تمنح أصحابها مساحة للقول إن الثقافة والذاكرة قادرتان على الصمود حتى في ظل صراع لا ينتهي.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/mar/14/food-israel-gaza-war-london-protest

